3
والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ ) آدم - عليه السلام - لأنه أصل النوع الإِنسانى ، وأول فرد من أفراده .والصلصال : الطين اليابس الذى يصلصل ، أى : يحدث صوتاً إذا حرك أو نقر عليه ، كما يحدث الفخار قال - تعالى - ( خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار ) وقيل : الصلصال : الطين المنتن ، مأخوذ من قولهم : صَلَّ اللحم وأصلَّ ، إذا أنتن . .قال الإِمام ابن جرير : " والذى هو أولى بتأويل الآية ، أن يكون الصلصال فى هذا الموضع ، الطين اليابس الذى لم تصبه النار ، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة - وذلك أن الله - تعالى - وصفه فى موضع آخر فقال : ( خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار ) فشبهه - تعالى ذكره - بأنه كالفخار في يُبسِه ، ولو كان معناه فى ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به فى النتن غيره " .والحمأ : الطين إذا اشتد سواه وتغيرت رائحته .والمسنون : المصور من سن الشئ إذا صوره .قال الآلوسى ما ملخصه : ( من حمأ ) أى : من طين تغير واسود من مجاورة الماء ، ويقال للواحدة حمأة - بسكون الميم - . . .وقوله ( مسنون ) أى : مصوَّر من سُنَّة الوجه وهى صورته . وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبى صلى الله عليه وسلم :أغرُّ كأن البدرَ سنَّةُ وجهه ... جلا الغيم عنه ضوؤه فتبدداوقيل مسنون : " أى مصبوب ، من سنَّ الماء بمعنى صبه . ويقال شَنَّ - بالشين أيضاً - : أى : مفرغ على هيئة الإِنسان . . . وقيل : المسنون : المنتن . . . " .والذى يتدبر القرآن الكريم يرى أن الله - تعالى - قد وضح فى آيات متعددة أطوار خلق آدم - عليه السلام - ، فقد بين فى بعض الآيات أنه خلقه من تراب ، كما فى قوله - تعالى - ( إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . . . ) وبين فى آيات أخرى أنه - سبحانه - خلقه من طين ، كما فى قوله - تعالى - ( الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ) وبين هنا أنه - سبحانه - خلقه ( مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) .قال الجمل : " وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية ، وأول ابتدائه أنه كان ترابا متفرق الأجزاء ، ثم بُلَّ - أى التراب - فصار طينا ، ثم ترك حتى أنتن وأسود فصار حمأ مسنونا .أى : متغيرا ، ثم يبس فصار صلصالاً ، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرج الآيات الواردة فى أطواره الطينية ، كآية خلقه من تراب ، وآية ( بَشَراً مِّن طِينٍ ) وهذه الآية التى نحن فيها " .والمقصود من هذه الآيات الكريمة ، التنبيه على عجيب صنع الله - تعالى - وعظيم قدرته ، حيث أخرج - سبحانه - الجملة الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة التحقيق ، وللإِرشاد إلى أهمية هذا الخلق ، وأنه بهذه الصفة .و ( من ) فى قوله ( من صلصال ) لابتداء الغاية أو للتبعيض ، وفى قوله ( من حمأ ) ابتدائية .والجار والمجرور صفة لصلصال أى : من صلصال كائن من حمأ ، ومسنون صفة لحمأ .