3
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ . . . ) .وقوله ( استيأسوا ) يئسوا يأساً تاماً فالسين والتاء للمبالغة .و ( خلصوا ) من الخلوص بمعنى الانفراد .و ( نجيا ) حال من فاعل خلصوا . وهو مصدر أطلق على المتناجين فى السر على سبيل المبالغة .والفاء فى قوله ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ . . . ) معطوفة على محذوف يفهم من الكلام .والتقدير : لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم بنيامين ، فلما يئسوا يأساً تاماً من الوصول إلى مطلوبهم ، انفردوا عن الناس ليتشاوروا فيما يفعلونه ، وفيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون إليه ولا يجد معهم " بنيامين " .هذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) من أبلغ الجمل التى اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك الإِمام الثعالبى فى كتاب " الإيجاز والإعجاز " فقد قال : من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإِيجاز ، ويفطن لكفاية الإِيجاز ، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام .ثم قال : فمن ذلك قوله - تعالى - فى إخوة يوسف ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن ، وأخذهم فى تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث .فتضمنت تلك الكلمات القصيرة ، معانى القصة الطويلة .وقوله : ( قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ . . . ) إلخ بيان لما قاله لهم أحدهم خلال تناجيهم مع بعهضم فى عزلة عن الناس .ولم يذكر القرآن اسم كبيرهم ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض منهم ، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد به " روبيل " لأنه أسنهم ، وذكر بعضهم أنه " يهوذا " لأنه كبيرهم فى العقل . .أى : وحين اختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا فى أمرهم بعد أن احتجز عزيز مصر أخاهم بنيامين ، قال لهم كبيرهم :( أَلَمْ تعلموا ) وأنتم تريدون الرجعو إلى أبيكم وليسم معكم " بنيامين " .( أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) عندما أرسله معكم ، بأن تحفظوا عليه ، وأن لا تعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم .وألم تعلموا كذلك أنكم فى الماضى قد فرطتم وقصرتم فى شأن يوسف ، حيث عاهدتم أباكم على حفظه ، ثم ألقيتم به فى الجب .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تعلموا . . . ) للتقرير ، أى : لقد علمتم علما يقينا بعهد أبيكم عليكم بشأن بنيامين ، وعلمت علما يقينا بخيانتكم لعهد أبيكم فى شأن يوسف ، فبأى وجه ستعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوكم بنيامين؟قال الشوكانى : قوله : ( أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) أى عهدا من الله - تعالى - بحفظ ابنه ورده إليه . ومعنى كونه من الله : أنه بإذنه .وقوله ( وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ) معطوف على ما قبله . والتقدير : ألم تعلموا أن أباكم . . . وتعلموا تفريطكم فى يوسف ، فقوله ( وَمِن قَبْلُ ) متعلق بتعلموا .أى : تعلموا تفريطكم فى يوسف من قبل . على أن ما مصدرية .وقوله ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي . . . ) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق أرض مصر ( حتى يَأْذَنَ لي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين ( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي . . ) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق مصر ( حتى يَأْذَنَ لي أبي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين . ( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي ) بالخروج منها وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض الميقا مع أبى ( وهو ) - سبحانه - ( خَيْرُ الحاكمين ) لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل .

Maximize your Quran.com experience!
Start your tour now:

0%