ما المقصود بأقوميّـــــة القرآن؟

التعريف
تعني أقوميّة القرآن باختصار أن يكون القرآن هو المنطلق الأول في بناء الأفكار وتقويمها، وذلك امتثالاً لقوله تعالى:
أي يهدي لما هو أصوب وأضبط، كما قال تعالى:
أي أضبط لها.
والأقومية هنا جاءت عامة غير مخصصة في مجال دون آخر؛ فلم تحدد الآية مجالاً معينًا لأقومية القرآن، فالقرآن هو الأقوم مطلقًا، في كل حال، وفي كل مجال.
وإذا كانت الأقومية تعني أن يكون القرآن المنطلق الأول في بناء الأفكار وتقويمها فهذا يعني أن الأقومية تتضمن أمرين أساسيين:
الأمر الأول:
أن كل فكرة في القرآن هي الأقوم بالضرورة؛ أي الأفضل والأحسن والأصوب، فلا توجد فكرة تعلو على الفكرة القرآنية أو حتى توازيها، وإنما كل ما في القرآن هو أقوم بالضرورة من غيره، وسبيل القرآن «أقوم من غيرها من السبل» على حد تعبير ابن جرير.
ملاحظة مهمة
فالقرآن لا يقدم ما هو حسن، بل ما هو أحسن، ولا يقدم ما هو صحيح، بل ما هو أصح، ولا يقدم ما هو قويم، بل ما هو أقوم؛ فإذا نهى القرآن عن الربا فتحريم الربا هو الأقوم في الاقتصاد، وإذا أمر القرآن بالشورى فالشورى هي الأقوم في السياسة، وإذا جعل الله تعالى القوامة على الرجل فذلك الأقوم للحياة الأسرية، وإذا جعل الله التعليم مقترنًا بالتزكية فهذا هو الأقوم في العملية التعليمية، وإذا أمر الله تعالى بالتعارف فهو الأقوم في العلاقات الدولية.
فكل ما جاء به القرآن هو الأقوم مطلقًا، أحكام القرآن أقوم من غيرها، ومصطلحات القرآن أقوم من غيرها، وتعريفات القرآن أقوم من غيرها، وأولويات القرآن أولى من غيرها، فهو الأقوم مطلقًا.
إذا فعلنا ذلك فسنكون مؤمنين حقًا بقوله تعالى:
وسنكون خاضعين وممتثلين لقوله تعالى:
إذ كل من انطلق في طلب الهداية من غير القرآن فقد وقع في معصية التقديم بين يدي الله ورسوله.
الأمر الثاني:
أن القرآن يقوّم ما سواه، فكل ما سوى القرآن يجب أن يُرد إليه، ولا يعني ذلك رفض ما سوى القرآن، ولكن جعل القرآن حاكمًا عليه، ولذلك وصفه الله عزوجل بأنه «مهيمن»، والهيمنة تعني أنه يعلو ولا يُعلى عليه، ولذلك وصف الله تعالى القرآن بأنه الميزان؛ لأن وظيفته أن يكون ميزانًا لكل الأفكار والتصورات.
عبارة فرنسيس بيكون
فالأقومية تقتضي أن نلجأ إلى القرآن في تقويم ما نتلقى من أفكار، فإذا سمعنا فكرة عامة فأول ما يجب أن نقوم به أن نسأل: ما موقف القرآن من ذلك؟ فمثلاً يتردد في أوساط المؤسسات التعليمية عبارة «المعرفة قوة»، وهي عبارة شهيرة للفيلسوف فرنسيس بيكون، الآن يجب أن نسأل: ما موقف القرآن من هذه العبارة؟ هل يرى القرآن المعرفة قوة فعلاً؟
حين نعود إلى القرآن سنجده يخبرنا أن المعرفة ليست مجرد قوة، وإنما المعرفة مسؤولية:
عبارة شائعة بين السياسيين
خذ مثلاً آخر، وهو أن السياسيين يرددون أن السياسة «فن المصالح»! هذه الفكرة لا يصح أن نتلقاها هكذا ونمضي، وإنما إيماننا بأن القرآن يهدي للتي هي أقوم يوجب علينا أن نعيد هذه الفكرة إلى القرآن ليقوّمها، وإذا عدنا إلى القرآن سنجده يقودنا إلى منطق آخر تمامًا:
السياسة فن الإصلاح وليس فن المصلحة، والإصلاح لا ينفي المصلحة لكنه يضبطها.
الخلاصة
إذًا أقومية القرآن يحققها المسلم حين يكون القرآن معياره الأول في بناء الأفكار وتقويمها، وهذا إذا تحقق فإنه سيقلب معادلة صناعة المعرفة الإسلامية رأسًا على عقب؛ لأن أقومية القرآن لا تهدف لتغيير بعض الأفكار، بل منطق التفكير نفسه.
مشاركة من: وعي للدراسات والأبحاث