تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
اختر اللغة

تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: سورة الزخرف، الآية 85

٨٥:٤٣
وتبارك الذي له ملك السماوات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة واليه ترجعون ٨٥
وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥
وَتَبَارَكَﲣ
ٱلَّذِيﲤ
لَهُۥﲥ
مُلۡكُﲦ
ٱلسَّمَٰوَٰتِﲧ
وَٱلۡأَرۡضِﲨ
وَمَاﲩ
بَيۡنَهُمَاﲪ
وَعِندَهُۥﲫ
عِلۡمُﲬ
ٱلسَّاعَةِﲭ
وَإِلَيۡهِﲮ
تُرۡجَعُونَﲯ
٨٥ﲰ
وتكاثرت بركة الله، وكَثُر خيره، وعَظُم ملكه، الذي له وحده سلطان السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما من الأشياء كلها، وعنده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، ويُحشر فيها الخلق من قبورهم لموقف الحساب، وإليه تُرَدُّون -أيها الناس- بعد مماتكم، فيجازي كلا بما يستحق.
تفاسير
الطبقات
فوائد
تدبرات
الإجابات
قراءات
الحديث
﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢]، قُصِدَ مِنهُ إتْباعُ إنْشاءِ التَّنْزِيهِ بِإنْشاءِ الثَّناءِ والتَّمْجِيدِ. ”وتَبارَكَ“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ المَدْحِ لِأنَّ مَعْنى تَبارَكَ كانَ مُتَّصِفًا بِالبَرَكَةِ اتِّصافًا قَوِيًّا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ تَفاعَلَ مِن قُوَّةِ حُصُولِ المُشْتَقِّ مِنهُ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى صُدُورِ فِعْلٍ مِن فاعِلَيْنِ مِثْلَ: تَقاتَلَ وتَمارى، فاسْتُعْمِلَتْ في مُجَرَّدِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ، وذَلِكَ مِثْلُ: تَسامى وتَعالى. (ص-٢٦٩)والبَرَكَةُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ. وقَدْ ذُكِرَ مَعَ التَّنْزِيهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لِاقْتِضاءِ الرُّبُوبِيَّةِ التَّنْزِيهُ عَنِ الوَلَدِ المَسُوقِ الكَلامِ لِنَفْيِهِ، وعَنِ الشَّرِيكِ المَشْمُولِ لِقَوْلِهِ عَمّا يَصْفُونَ، وذُكِرَ مَعَ التَّبْرِيكِ والتَّعْظِيمِ أنَّ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لِمُناسَبَةِ المُلْكِ لِلْعَظَمَةِ وفَيْضِ الخَيْرِ، فَلا يَرِيبُكَ أنَّ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢] مُغْنٍ عَنِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، لِأنَّ غَرَضَ القُرْآنِ التَّذْكِيرُ وأغْراضُ التَّذْكِيرِ تُخالِفُ أغْراضَ الِاسْتِدْلالِ والجَدَلِ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ يُلائِمُ التَّنْبِيهَ عَلى مُخْتَلَفِ الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ والتَّعَرُّضِ لِلِاسْتِمْدادِ مِنَ الفَضْلِ. ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ ”تَبارَكَ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَرَكَةَ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَقْتَضِي اسْتِغْناءَهُ عَنِ الزِّيادَةِ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ واتِّخاذِ الشَّرِيكِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِدْلالًا آخَرَ تابِعًا لِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] . وقَدْ تَأكَّدَ انْفِرادُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أعْظَمِ المُوجُوداتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِقَوْلِهِ رَبُّ العَرْشِ وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ . فَكَمْ مِن خَصائِصَ ونُكَتٍ تَنْهالُ عَلى المُتَدَبِّرِ مِن آياتِ القُرْآنِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا الحَكِيمُ العَلِيمُ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا التَّصَرُّفَ في هَذِهِ العَوالِمِ مُدَّةَ وُجُودِها ووُجُودِ ما بَيْنَها أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهُ مَعَ مُلْكِ العَوالِمِ الفانِيَةِ مُلْكُ العَوالِمِ الباقِيَةِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في تِلْكَ العَوالِمِ بِما فِيها بِالتَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وإدْماجًا لِإثْباتِ البَعْثِ. وتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في ”إلَيْهِ تُرْجِعُونَ“ لِقَصْدِ التَّقَوِّي إذْ لَيْسَ المُخاطَبُونَ بِمُثْبِتِينَ رُجْعى إلى غَيْرِهِ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا. وأمّا قَوْلُهم لِلْأصْنامِ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَمُرادُهم أنَّهم شُفَعاءُ لَهم في (ص-٢٧٠)الدُّنْيا أوْ هو عَلى سَبِيلِ الجَدَلِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُرْجَعُونَ“ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُباشَرَةِ بِالتَّهْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ تَبَعًا لِأُسْلُوبِ الضَّمائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ.