تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
اختر اللغة

التحرير والتنوير لابن عاشور التفسير: النمل آية 82

٨٢:٢٧
۞ واذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا باياتنا لا يوقنون ٨٢
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
۞ وَإِذَاﱵ ﱶ
وَقَعَﱷ
ٱلۡقَوۡلُﱸ
عَلَيۡهِمۡﱹ
أَخۡرَجۡنَاﱺ
لَهُمۡﱻ
دَآبَّةٗﱼ
مِّنَﱽ
ٱلۡأَرۡضِﱾ
تُكَلِّمُهُمۡﱿ
أَنَّﲀ
ٱلنَّاسَﲁ
كَانُواْﲂ
بِـَٔايَٰتِنَاﲃ
لَاﲄ
يُوقِنُونَﲅ
٨٢ﲆ
وإذا وجب العذاب عليهم; لتماديهم في المعاصي والطغيان، وإعراضهم عن شرع الله وحكمه، حتى صاروا من شرار خلقه، أخرجنا لهم من الأرض في آخر الزمان علامة من علامات الساعة الكبرى، وهي «الدابة» ، تحدثهم أن الناس المنكرين للبعث كانوا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ودينه لا يصدقون ولا يعملون.
تفاسير
الطبقات
فوائد
تدبرات
الإجابات
قراءات
الحديث
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى التَّذْكِيرِ بِالقِيامَةِ وما ادُّخِرَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ومُناسِبَةُ ذِكْرِها ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] . والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. و”القَوْلُ“ أُرِيدَ بِهِ أخْبارُ الوَعِيدِ الَّتِي كَذَّبُوها مُتَهَكِّمِينَ بِاسْتِبْطاءِ وُقُوعِها بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١]، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ. والوُقُوعُ مُسْتَعارٌ لِحُلُولِ وقَتِهِ وذَلِكَ مِن وقْتِ تَهَيُّؤِ العالَمِ لِلْفَناءِ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةَ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ حُلُولِ الوَعِيدِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ وهو الوَعِيدُ الأكْبَرُ يَعْنِي وعِيدَ البَعْثِ، فَتُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وهو مِن خَوارِقِ العاداتِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ وُقُوعِهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِنَ المُضِيِّ، أيْ أشْرَفَ وُقُوعُهُ، عَلى أنَّ فِعْلَ المُضِيِّ مَعَ إذا يَنْقَلِبُ إلى الِاسْتِقْبالِ. والدّابَّةُ: اسْمٌ لِلْحَيِّ مِن غَيْرِ الإنْسانِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّبِيبِ، وهو المَشْيُ عَلى (ص-٣٩)الأرْضِ وهو مِن خَصائِصِ الأحْياءِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”دابَّةٍ“ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَدْ رُوِيَتْ في وصْفِ هَذِهِ الدّابَّةِ ووَقْتِ خُرُوجِها ومَكانِها أخْبارٌ مُضْطَرِبَةٌ ضَعِيفَةُ الأسانِيدِ فانْظُرْها في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وغَيْرِهِ إذْ لا طائِلَ في جَلْبِها ونَقْدِها. وإخْراجُ الدّابَّةِ مِنَ الأرْضِ لِيُرِيَهم كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى إذْ كانُوا قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ. ولا شَكَّ أنَّ كَلامَها لَهم خِطابٌ لَهم بِحُلُولِ الحَشْرِ. وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ الكَلامَ لَهم عَلى لِسانِ دابَّةٍ تَحْقِيرًا لَهم وتَنْدِيمًا عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ أبْلَغِ كَلامٍ وأوْقَعِهِ مِن أشْرَفِ إنْسانٍ وأفْصَحِهِ، لِيَكُونَ لَهم خِزْيًا في آخِرِ الدَّهْرِ يُعَيَّرُونَ بِهِ في المَحْشَرِ. فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ كَلامِ رَسُولٍ كَرِيمٍ فَخُوطِبُوا عَلى لِسانِ حَيَوانٍ بَهِيمٍ. عَلى نَحْوِ ما قِيلَ: اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَإ تَتَوَقَّفُ عَلى المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإظْهارِ هَذا الخارِقِ لِلْعادَةِ حَيْثُ لَمْ يُوقِنِ المُشْرِكُونَ بِآياتِ القُرْآنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ إلْجاءً لَهم حِينَ لا يَنْفَعُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ إنَّ النّاسَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“، ومَوْقِعُ ”إنَّ“ في مِثْلِ هَذا التَّعْلِيلُ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (﴿أنَّ النّاسَ﴾) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهي أيْضًا لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَّ) يُؤْذِنُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرِّ وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ، أيْ تُكَلِّمُهم بِحاصِلِ هَذا وهو المَصْدَرُ. والمَعْنى: أنَّها تُسَجِّلُ عَلى النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. وهو تَسْجِيلُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . وحَمْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِما تُكَلِّمُهم بِهِ الدّابَّةُ بِعِيدٌ.