تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
اختر اللغة

تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: سورة القيامة، الآية 36

٣٦:٧٥
ايحسب الانسان ان يترك سدى ٣٦
أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ٣٦
أَيَحۡسَبُﲊ
ٱلۡإِنسَٰنُﲋ
أَنﲌ
يُتۡرَكَﲍ
سُدًىﲎ
٣٦ﲏ
أيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه -سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
تفاسير
الطبقات
فوائد
تدبرات
الإجابات
قراءات
الحديث
( ﴿أيَحْسِبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وهو ما ابْتُدِئَ بِهِ فارْتَبَطَ بِقَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَحْسَبُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ويَحْسَبُ أنْ نَتْرُكَهُ في حالَةِ العَدَمِ. وزِيدَ هُنا أنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ إيقاعُهُ بِقَوْلِهِ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) كَما سَتَعْلَمُهُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌ مِثْلَ الَّذِي سَبَقَهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) . وأصْلُ مَعْنى التَرْكِ: مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا اخْتِيارًا مِنَ التّارِكِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى (ص-٣٦٥)إهْمالِ أحَدٍ شَيْئًا وعَدَمِ عِنايَتِهِ بِأحْوالِهِ وبِتَعَهُّدِهِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في المَعْنى المَجازِيِّ. والمُرادُ بِما يُتْرَكُ عَلَيْهِ الإنْسانُ هُنا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ حالُ العَدَمِ دُونَ إحْياءٍ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) وقَوْلُهُ (﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]) . وعُدِلَ عَنْ بِناءِ فِعْلِ يُتْرَكُ لِلْفاعِلِ فَبُنِيَ لِلنّائِبِ إيجازًا لِأجْلِ العِلْمِ بِالفاعِلِ مِن قَوْلِهِ السّابِقِ (﴿أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) فَكَأنَّهُ قالَ: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ نَتْرُكَهُ دُونَ بَعْثٍ وأنْ نُهْمِلَ أعْمالَهُ سُدًى. فَجاءَ ذِكْرُ (سُدًى) هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، إيماءً إلى أنْ مُقْتَضى حِكْمَةِ خَلْقِ الإنْسانِ أنْ لا يَتْرُكَهُ خالِقُهُ بَعْدَ المَوْتِ فَلا يُحْيِيهِ لِيُجازِيَهُ عَلى ما عَمِلَهُ في حَياتِهِ الأُولى. وفِي إعادَةِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾) تَهْيِئَةٌ لِما سَيَعْقِبُهُ مِن دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ مِن جانِبِ المادَّةِ بِقَوْلِهِ (﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً﴾ [القيامة: ٣٧]) إلى آخَرِ السُّورَةِ. فَقَوْلُهُ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) تَكْرِيرٌ وتَعْدادٌ لِلْإنْكارِ عَلى الكافِرِينَ تَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ، ألا تَرى أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَ الإنْسانُ وأخَّرَ. ومَعْنى هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]) . وسُدًى بِضَمِّ السِّينِ والقَصْرِ: اسْمٌ بِمَعْنى المُهْمَلِ ويُقالُ: سُدًى بِفَتْحِ السِّينِ والضَّمُّ أكْثَرُ وهو اسْمٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ يُقالُ: إبِلٌ سُدًى، وجَمَلٌ سُدًى، ويُشْتَقُّ مِنهُ فِعْلٌ فَيُقالُ: أسْدى إبِلَهُ وأسْدَيْتُ إبِلِي، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. ولَمْ يُفَسِّرْ صاحِبُ الكَشّافِ هَذِهِ الكَلِمَةَ وكَذَلِكَ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ ووَقَعَ (سُدًى) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يُتْرَكَ“ . فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وأبْدَعَ تَرْكِيبَهُ ووَهَبَهُ القُوى العَقْلِيَّةَ الَّتِي لَمْ يُعْطِها غَيْرَهُ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِيَسْتَعْمِلَها في مَنافِعَ لا تَنْحَصِرُ أوْ في ضِدِّ (ص-٣٦٦)ذَلِكَ مِن مَفاسِدَ جَسِيمَةٍ، لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ مِثْلَ الحَيَوانِ فَيَجْعَلَ الصّالِحِينَ كالمُفْسِدِينَ، والطّائِعِينَ لِرَبِّهِمْ كالمُجْرِمِينَ، وهو العَلِيمُ القَدِيرُ المُتَمَكِّنُ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنْ يَجْعَلَ إلَيْهِ المَصِيرَ، فَلَوْ أهْمَلَهُ لَفازَ أهْلُ الفَسادِ في عالَمِ الكَسادِ، ولَمْ يُلاقِ الصّالِحُونَ مِن صَلاحِهِمْ إلّا الأنْكادَ، ولا يُناسِبُ حِكْمَةَ الحَكِيمِ إهْمالُ النّاسِ يَهِيمُونَ في كُلِّ وادٍ، وتَرْكُهم مَضْرِبًا لِقَوْلِ المَثَلِ ”فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعادِي“ ولِذَلِكَ قالَ في جانِبِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣])، أيْ لا نُعِيدَ خَلْقَهُ ونَبْعَثَهُ لِلْجَزاءِ كَما أبْلَغْناهم، وجاءَ في جانِبِ حِكْمَتِهِ بِما يُشابِهُ الأُسْلُوبَ السّابِقَ فَقالَ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾)، أيْ لا يَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ غَيْرَ مَرْعِيٍّ بِالتَّكْلِيفِ كَما تُتْرَكُ الإبِلُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُجازاةَ. وعَنِ الشّافِعِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ بِالقُرْآنِ فِيما عَلِمْتُ أنَّ السُّدى الَّذِي لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى اهـ. وقَدْ تَبَيَّنَ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ) كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ في الحَياةِ الدُّنْيا مَقْصُودٌ مِنهُ الجَزاءُ في الآخِرَةِ.